الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

16

انوار الأصول

المدينة وأفتِ الناس فإنّي احبّ أن يرى في شيعتي مثلك » . « 1 » فمن المقطوع أنّهم منذ العصر الأوّل كانوا يفتون بمقتضى ظواهر النصوص فيستندون إلى حجّية الظواهر بعنوان أصل قطعي ، ويعتمدون في الرّوايات على أقوال الثقات ( حجّية قول الثقة ) ويعالجون تعارض العامّ والخاصّ ، والمطلق والمقيّد ، من طريق التخصيص والتقييد ، ويعملون بالمفاهيم كمفهوم الشرط والغاية ، وحين وقوع التعارض بين الظاهر والأظهر يقدّمون الثاني على الأوّل ، ويقدّمون الدليل القطعي على الظنّي و . . . إلى غير ذلك من أشباهه . هذا ، ولكن كلّما اتّسع نطاق علم الفقه وظهرت فيه فروع مستحدثة اتّسع بموازاته نطاق علم الأصول إلى يومنا هذا ، حتّى صار من أوسع العلوم وأعقدها ، مملوّاً من دقائق عقليّة ونقليّة ، وهكذا يتّسع يوماً بعد يوم . ومن الطريف جدّاً أنّ علم أصول الفقه - كالفقه نفسه - عند أتباع أهل بيت عليهم السلام الوحي أكثر توسّعاً من أصول أهل السنّة إلى درجة كبيرة ، ودليله واضح ، حيث إنّ فقهاءهم قد سدّوا باب الاجتهاد على أنفسهم وعدّوا الفقهاء الأربعة ( أئمّة المذاهب الأربعة ) خاتمي المجتهدين والمستنبطين فمالت مسألة الاستنباط إلى الركود والجمود وتوقّف بالطبع قرين علم الفقه وشقيقه ( علم الأصول ) عن النموّ والحركة ، ولكن أتباع أهل بيت العصمة - مضافاً إلى تأكيدهم على فتح باب الاجتهاد - أفتوا باتّفاق الآراء بحرمة التقليد الابتدائي عن الميّت ، ولأجل ذلك لا يزال وفي كلّ عصر طائفة من علمائهم يلزمون أنفسهم بعنوان الواجب الكفائي على استنباط الأحكام الفقهيّة من منابعها الإسلاميّة وأدلّتها المعتبرة ، ويقدّمونها إلى المجتمع الاسلامي ، ويضعونها في متناول أيدي المسلمين ، وهذا الاعتقاد - مضافاً إلى جعله مصباح الفقه أكثر إضاءة وإشراقاً ممّا كان سابقاً - أوجب ازدهار علم الأصول ونموّه يوماً بعد يوم إلى حدّ تعدّ الكتب الاصوليّة المدوّنة في سائر الفِرق الإسلاميّة بالنسبة إلى ما دوّنه علماء الشيعة كتباً إعداديّة وبدائيّة جدّاً ، بل لا يمكن الإحاطة بكنه الأصول لدى الشيعة إلّا عند فحول وخبراء من أساطين الفنّ طيلة سنين متمادية .

--> ( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 17 ، ص 315 .